سبيلى

ما رأيكم فيما يُطلق عليه " الخروج من الجسد " ؟ وهل هو واقع أم خيال ؟

الحمد لله
أولاً:
ليس كل ما يُسمع ويُقرأ يستحق الاحترام والتقدير ، ونأسف أن وصل المسلمون – ومنهم بعض الخاصة – إلى تلقي قمامات الغرب وجعلها كنوزاً ! وتلقي أوهامهم وخيالاتهم وجعلها حقائق لا تقبل المناقشة ، ومثل ما في السؤال أنموذج لتلك القمامات والترهات التي ينبغي أن يربأ المسلم بنفسه عنها ، فليس عليها سيما العلم ، ولا تحمل من الحقيقة ولو قطميراً ! بل هي أوهام وخيالات وترهات استطاع مخترعوها وكاذبوها أن يجدوا سوقاً بين المسلمين لترويج تلك البضاعات الكاسدة ، ونعجب من بعض من يصدق هذه الترهات من المسلمين ممن يرد أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم بدعوى أنها آحاد ! ثم يصدق بوجود " جسد أثيري " يتصل بالجسد الحقيقي بـ " خيط فضي " ! ، ثم يصدق أن ثمة من يرجع إلى الزمن الماضي ، أو يصل إلى الزمن المستقبل ! ويصدق أنه يمكن أن يلتقي بعالم الملائكة وعالم الجن ! كل ذلك يسوقه المرضى ، ويصدقه الحمقى .
ثانياً:
العجيب ممن يصدق هذا الكلام وهو يرى أن الإنسان وهو على قيد الحياة ، بروحه ، وبدنه ، وعقله ، يستطيع أن يقوم بأشياء خارقة ، وعظيمة ، بسبب ما سخَّره الله له من علم ، وهو أمر يشاهد ، وليس ثمة من يكذبه ، فكيف يكون عند الإنسان وهو نائم من القوة ما ليس عنده وهو مستيقظ ؟! وما هذا إلا كما يفعله ويعتقده الوثنيون في أمواتهم الذين يقدسونهم ويعظمونهم ، فأولياؤهم وهم على قيد الحياة يجوعون ويعطشون ويتبلون ويتبرزون ويمرضون ، بل ويقتلون ، ثم إذا ماتوا أثبتوا لهم من الخوارق والأفعال ما يعجزون عن جزء يسير منه وهم على قيد الحياة ! فمتى تُرجع كلا الطائفتين عقلها لبدنها ، وتقف على حقيقة التوحيد ، وتلتزم الأخذ بالحقائق المشاهدة المحسوسة وتترك الخرافات والأوهام ؟ .
ثالثاً:
من تأمل ما يشاع في هذا الزمن من العامة وبعض الخاصة من نحو ما في السؤال يجد قوة تأثير العقائد البوذية وعقائد الإلحاد على ما يعتقدونه نافعاً صواباً ، ابتداء بالبرمجة اللغوية العصبية ، إلى تغيير العقل ، إلى العلاج بالطاقة ، في قائمة تطول ، كلها تقوم على الخرافة والوهم ، وهي تصلح لبعض المرضى النفسيين لا أكثر ، وما نحن فيه الآن – وهو الخروج من الجسد – من يتأمله يجد أهله الذين يعتقدونه لا يدينون بالإسلام ، ولا يعترفون بالله تعالى ربّاً ، وكلها أمور غيبية نأسف أن يتلقفها المسلمون من مثل أولئك الملحدين ، ومن ينظر في المنتديات التي تنشر ترهات الخروج من الجسد يجد الأمر أشبه ما يكون بالرسوم المتحركة الفضائية ، والخيالية .
وها نحن نرى ما جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بمحاربته ، والحكم عليه بالشرك والوثنية : أصبح الآن " علماً " ! تُعقد له الدورات ، وتُعطى فيه الألقاب والشهادات ، وتُدفع له أعلى الأثمان لحضوره ، وتعلمه ! وتجد هذا المسلم يحكم على من ينظر في " فنجان القهوة " ليخبرك بمستقبلك وحقيقة شخصيتك بأنه كاهن ، دجال – وهو كذلك - ، لكنه في الوقت نفسه يعطيك من المعلومات الغيبية عنك أضعافاً مضاعفة من ذلك الكاهن الدجال بالنظر في " توقيعك " !! حتى صار هذا الأمر " علماً " وله اختصاصيون من المسلمين !! فبمجرد النظر في " توقيعك " يخبره بصفاتك ، فيخبرك بأنك – مثلاً - انطوائي ، كريم ، متسامح ، متعاون ، يحب السلام ، له نظرة مستقبلية ، كتوم بعض الشيء ! – انظر للدقة " بعض الشيء " ! – ويخبرك بما تحب من الألوان ! وغير ذلك من الترهات والكهانة العصرية ، وما ذكرناه ليس نسجاً من الخيال ، بل نقلنا بعضه من مقابلة مع شخصية إسلامية مشهورة ، وعلى الجانب الآخر كان " الكاهن " ! يخبره بما نقلنا جزء منه ، بمجرد رؤية توقيعه ، والله المستعان .
وحقّاً إن هؤلاء " حمقى " يقودهم " مرضى " ، وإليكم خرافة أخرى من خرافاتهم " العلمية " وتُعطى فيما يسمَّى " دورات الريكي " ! فتجد الأحمق منهم يقول مخاطباً معدته : " معدتي ! كيف حالك ؟ أرجو أنك بخير ، أرجو أن لا تسببي لي المتاعب !! " ويخاطب سنَّه وقلبه وكليته وباقي أعضاء وأجزاء جسمه بالطريقة الساذجة نفسها ، يحيي العضوء أو الجزء ، ويسأل عن حاله وأخباره ! ويرجوه أن لا يسبب له ألماً وأن لا يُمرضه !!! ، فهل هذا فعل العقلاء فضلاً أن يكون فعل المسلمين ؟!!! أليس لو رأى ذلك أحد العقلاء فإنه سيحكم على فاعله بأنه مجنون ويستحق الحجر عليه ؟! .
رابعاً:
خرافة " الخروج من الجسد " ، أو " السفر بالجسد " ، ويطلق عليه " الإسقاط النجمي " : هو من هذا الباب ، فأصحابه يوهمونك أنك باستطاعتك السفر بجسدك " الأثيري " إلى عوالم مختلفة ، كعالم الملائكة ، وعالم الجن ، وعالم البرزخ ! فترى الأموات وأرواحهم ، بل وتتنقل في أزمنة مختلفة ، فلك أن ترجع للماضي ، ولك أن تذهب للمستقبل ! لترى من سيولد ! ويزعمون أنك تنتقل بوعيك وأنت نائم ، يعني : أن الجسد فقط يكون نائماً ، بينما يكون عقلك في حالة يقظة تامة ! ويعتقدون أنك تنتقل إلى تلك العوالم والأزمنة بجسد " أثيري " - وهو جسم من الطاقة – وهو ينفصل عن الجسم المادي النائم ، ويبقى بقربه أثناء النوم ، ويكون هذان الجسمان متصلان بـ " حبل فضي " يربط بينهما ! .
سذاجة ، وخرافة ، وأوهام ، وترهات ، وزندقة ، وإلحاد ، كل ذلك صار " علماً " ، وله مدربوه ، وله زبائنه التي تتعلق بالأوهام والخيالات ، وصرنا بحاجة لأن نرجع مع هؤلاء الناس إلى أبجديات التوحيد ، ونعلمهم بأن الجن لا يُرى ، وأن الملائكة كذلك ، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله ، وأنه لا يمكن الرجوع للوراء لمعرفة ماضيك ورؤيتك وأنت طفل ترضع وتكبر ، ولا لقاء الأموات قبل موتك ، وهكذا في سلسلة من المسائل والأحكام من المفترض أن تكون عقائد راسخة عند المسلمين ، ولعلَّ في هذا عبرة وعظة لمن يتزعم من الدعاة محاربة تدريس التوحيد ، وغرس العقيدة الحقة في نفوس المسلمين ، زاعمين أن الأمة ليست بحاجة لهذا ، وها هي الأمور تنكشف ، ويتبين أن الناس يُقدمون على الشرك ، والكهانة بإرادتهم ، ويدفعون المبالغ الطائلة لأجل هذا ، بل يكون له منصب فيها ورتبة ، ويحمل في " علومها " شهادة مصدَّقة .
خامساً:
ليس ثمة ما يسمى " الجسد الأثيري " ، ويستطيع أن يزعم صاحب أية خرافة مثل هذه الأشياء ، ويبني عليها صروحاً من الكذب ، وهذا الذي حصل هنا ، فأثبتوا فعلا وأطلقوا عليه اسماً ، واخترعوا جسداً وأطلقوا عليه اسماً ، ثم أوهموا الناس أنهم دقيقون فذكروا لون " الخيط " الذي يربط بين الجسدين ، وأنه " فضي " ! وهكذا في سلسلة أكاذيب ليس لها واقع في الوجود ، وبالطبع لا بد أن يضعوا شروطاً للشخص حتى يصح له " خروجه وسفره " من جسده ، وأول ذلك الاسترخاء التام ، ومن عجز عنه : فله أن يستعين بطاغوت " البرمجة العصبية " فيردد " أريد أن أسترخي ، أريد أن أسترخي " ويكررها بحماقة حتى يوهم نفسه أنه استرخى ! ، والواقع أنه ليس ثمة ما يسمى بالجسد الأثيري إلا في أذهان أولئك الذين يصلحون لإنتاج الرسوم المتحركة الفضائية والخيالية .
1. سئلت الدكتورة فوز كردي – حفظها الله – وهي من أوائل من تنبه لطاغوت البرمجة العصبية وأخواتها ، ولها ردود منتشرة عليهم ، بل حازت على رسالتي الماجستير والدكتوراة في العقيدة وضمنتهما الرد على تلك البرامج والادعات والعلاجات - :
هل " الجسم الأثيري " له أصل في الشرع ، أم أنه مجرد توقعات ، أو سحر ، وخزعبلات ؟ .
فأجابت:
بالنسبة للجسم الأثيري : فهو أولاً: قول مبني على نظرية قديمة ، تفترض وجود مادة " الأثير " ، وهي مادة مطلقة قوية غير مرئية ! تملأ الفراغ في الكون ، سمَّاها " أرسطو " : العنصر الخامس ، وعدّها عنصراً ساميًا ، شريفًا ، ثابتًا ، غير قابل للتغيير ، والفساد ، وقد أثبت العلم الحديث عدم وجود الأثير ، ولكن الفلسفات القديمة المتعلقة بالأثير بقيت كما في الفلسفات المتعلقة بالعناصر الخمسة ، أو الأربعة .
ثانياً: قول تروج له حديثاً التطبيقات الاستشفائية ، والتدريبية ، المستمدة من الفلسفة الشرقية ، ومع أن التراث المعرفي المستمد من الوحي المعصوم بيّنٌ أوضح البيان ، وغنيٌّ كل الغنى بأصول ما يعرّف الإنسان بنفسه وقواه الظاهرة والخفيَّة : إلا أن عقدة المفتونين بالعقل ، والمهووسين بالغرب والشرق من المسلمين : جعلتهم يلتمسون ذلك فيما شاع هناك باسم " الأبحاث الروحية " ، فنظروا إليها على أنها حقائق علمية ، أو خلاصة حضارة شرقية عريقة ، وأعطوا لأباطيلها وتخرصات أهلها ما لم يعطوا لمحكمات الكتاب وقواطع السنَّة ، ومن ذلك القول بتعدُّد أجساد الإنسان ، وقد يسمونها " الأبعاد " ، أو " الطاقات " ؛ للقطع بأنها اكتشافات علميّة ، وهذا القول حقيقته : بعث لفلسفة الأجساد السبعة المعروفة في الأديان الشرقيَّة ، ومفادها أنّ النفس الإنسانيّة تتكوَّن من عدَّة أجساد - اختلفوا في عدِّها ما بين الخمسة إلى التسعة بحسب وجهات نظر فلسفيّة تتعلّق بمعتقدهم في ألوهية الكواكب أو المؤثرات الخارجية - والمتَّفق عليه من هذه الأجساد : الجسم البدنيّ أو الأرضيّ ، والجسم العاطفيّ ، والجسم العقليّ ، والجسم الحيويّ ، والجسم الأثيريّ ، فالجسم البدنيّ : هو الظاهر الذي نتعامل معه ، وتنعكس عليه حالات الأجساد الأخرى ، والجسم الأثيري : هو أهم هذه الأجساد ، وأساس حياتها ، وهو منبع صحة الإنسان ، وروحانيته ، وسعادته ! .
وقد سرى هذا المعتقد في أوساط المسلمين بعد أن عُرض على أنه كشف علمي عبر التطبيقات الشرقية المروجة على شكل دورات تدريبية ، أو تمارين استشفائية مفتوحة لعامة الناس ، بعد أن كان هذا المعتقد غامضًا محصورًا في حُجَر تحضير الأرواح ! عند خبراء حركة الروحية الحديثة .
فالاعتقاد بالجسم الأثيريّ كالاعتقاد بالعقل الباطن وقوى النفس ، إنما شاع ذكره عند من غفل عن حقائق الغيب ، ورام الوصول إليها من غير طريق الرُّسُل ، فأصل هذه المعتقدات مأخوذ من التراث المنقول في الديانات الوثنيّة الشرقيّة ، والمعتقدات السرِّية الباطنيّة ، وكلّ تطبيقاتها الرياضيّة والعلاجيّة الحديثة تدعو إلى تطوير قوى هذا الجسد لتنمية الجنس البشريّ حيث يصبح بإمكان الإنسان في المستقبل فعل ما كان يُعدّ خارقة في العصور الماضية ، كأن يصبح صاحب لمسة علاجيّة ، أو قدرة على التنبُّؤ ، أو التأثير عن بُعد ، وغير ذلك ، دون أن يكون متنبِّئًا ، أو كاهنًا ، ومن ثم لا يحتاج لأيِّ مصدر خارج عن نفسه ! ويستغني عن فكرة الدين ، أو معتقد الألوهية - عياذاً بالله - .
انتهى
http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=135&Itemid=2
2. وسئل الدكتور وهبة الزحيلي – وفقه الله - :
هل علوم " الميتافيزقيا " حرام ؟ هل علوم ما وراء الطبيعة والخوارق حلال أو حرام ؟ وهي " التلبثة " - التواصل عن بُعد - ، " قراءة الأفكار " telepahtic ، " الخروج الأثيري عن الجسد " out of body experience ، " تحريك الأشياء بالنظر النظر المغناطيسي " ، " اليوجا ‏،‏ و " التنويم الإيحائي " ، " التاي شي " ، " الريكي " ، " التشي كونغ " ، " المايكروبيوتك " ، " الشكرات " ، " الطاقة الكونية " ، " مسارات الطاقة " ، " الين واليانغ " ؛ لأني وجدت موقعاً يحرِّمها - موقع ‏الأستاذة فوز كردي - السعودية‏- ‏؟ .
فأجاب:
هذه وسائل وهمية ، وإن ترتب عليها أحياناً بعض النتائج الصحيحة‏ ،‏ ويحرم الاعتماد عليها وممارستها ، سواء بالخيال ، أو الفعل ‏،‏ فإن مصدر العلم الغيبي : هو الله وحده ‏،‏ ومن اعتمد على هذه الشعوذات : كفر بالله ، وبالوحي ‏،‏ كما ثبت في صحاح الأحاديث النبوية الواردة في العَّراف ، والكاهن ، ونحوهما .
http://www.zuhayli.net/fatawa_p56.htm
وللوقوف على حقيقة النوم ، وعلاقته بالموت ، وشعور النائم بنفسه وهو يعلم : يُنظر جواب السؤال رقم : ( 14276 ) ففيه تفصيل ذلك بالكتاب والسنَّة وأقوال العلماء الثقات .

والله أعلم
 

الإسلام سؤال وجواب

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.
أنت هنا: الرئيسية كتب و مقالات متخصصه الفتاوي الشرعية ما رأيكم فيما يُطلق عليه " الخروج من الجسد " ؟ وهل هو واقع أم خيال ؟