سبيلى

لم و متي بدأت العداوة؟

لما خلق الله تعالي آدم عليه السلام طلب من ملائكته السجود له فأطاعوه جميعاً إلا ابليس – و الذي لم يكن من الملائكة، إلا أنه خوطب معهم لعلو منزلته وقتها (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) الإسراء-61؛ إلا أنه لم يتلقي الأمر الإلهي بالرضا و الطاعة و القبول و الإذعان؛ بل خلع زي العبودية و الإنقياد؛ و لبس لباس الحسد و العصيان ؛ فناقش رب العزة و الكبرياء في أمره له ؛ و استدل و استنكر بقياسه العقلي السقيم (  قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (61) الإسراء

 

ولما امتنع إبليس من السجود لآدم طرده الله من السماء وحقت عليه لعنة الله إلى يوم القيامة فقال الله له : ( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) )  - ص

ثم سأل الله أن ينظره إلى البعث فأنظره الله : ( قال أنظرني إلى يوم يبعثون ، قال إنك من المنظرين ) الأعراف-14-15 .

فلما أمِنَ إبليس من الهلاك تمرد وطغى وعاند : ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف ، و قال كذلك (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (82) ص

ولما قال إبليس ذلك قال الله له : ( قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا )(65) الإسراء.

و من هنا بدأ الصراع الذي لا ينتهي إلي يوم الدين؛ صراع بين الشيطان و حزبه و كل من سار معه في سبله؛ و بين حزب الله و من لزم صراطه المستقيم ( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا )

" وشعور الإنسان بأن الشيطان - عدوه القديم - هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية، يثير في نفسه - على الأقل - الحذر من الفخ الذي نصبه العدو . وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان . ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض; والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه: وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها . لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده . والمؤمن لا يغفل عنها ، ولا ينسحب منها . وهو يعلم أنه إما أن يكون وليا لله ، وإما أن يكون وليا للشيطان ; وليس هنالك وسط . . والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات و نزوات ; ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة . والمسلم يكافحه في ذات نفسه ، كما يكافحه في أتباعه . . معركة واحدة متصلة طوال الحياة . ومن يجعل الله مولاه فهو ناج غانم . ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك"[1]

و من تلك اللحظة أعلن الشيطان عن خبث خططه وعمق عداوته لبني آدم، فبدأ يزين لهم الكفر و الشرك ويغريهم بالمحرمات والخبائث ويأمرهم بالسوء والفحشاء، فانخدع بذلك أكثر الناس ووقع كثير منهم في الكفر و الشرك والمعاصي والمحرمات : ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سبأ-20 .

فكل ما يقع بين بني آدم من الكفر والقتل والعداوة والبغضاء وانتشار الفواحش والزنا ، وتبرج النساء وشرب الخمور وعبادة الأصنام واقتراف الكبائر فذلك كله من غوايةالشيطان لبني آدم ليصد عن سبيل الله ويفسد الناس و يغمسهم معه في نار جهنم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) المائدة.

وقد حذرنا الله من السير خلف الشيطان واتباع خطواته فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) النور-21 .

وإذا أعرض الإنسان عن الله و عن منهجه و صراطه المستقيم و اتبع سبل الإنحراف  تولاه الشيطان وجره إلى الفساد والطغيان : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ) مريم-83 .

وكل من أعرض عن الله و عن منهجه و صراطه المستقيم و اتبع سبل الإنحراف وسار خلف الشيطان و حزبه من شياطين الإنس و الجن فإنما يهلك نفسه و يخسر دنياه و آخرته : ( ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ) النساء-119 .

وقد سلك الشيطان طرقاً عجيبة في الإغواء فأفسد كثيراً من الناس وزين لهم سوء أعمالهم فأوردهم جهنم وبئس المصير : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ، أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ) النساء-120 - 121 .

ولما كانت عداوة الشيطان للإنسان ظاهرة بينة أمرنا الله بالحذر منه ، وإعلان الحرب عليه ونصب العداوة له فقال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) فاطر-6 .

وقد أرشدنا الله إلى أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كلما هممنا بمعصية فقال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ) فصلت-36 .

وفي يوم القيامة يوم الصدق والعدل يعترف الشيطان بجريمته فيعلن أمام الخلائق أن الله صادق وأنه كاذب وأنه لا لوم عليه وإنما الملامة على من اتبعه فيندم كل من اتبعه ولكن حينذاك لا ينفع الندم : ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) إبراهيم-22 .




1- في ظلال القرآن –  لسيد قطب رحمه الله في تعليقه علي الآية من  سورة التساء –

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.
أنت هنا: الرئيسية لم و متي بدأت العداوة؟