سبيلى

علم الفيزياء، بين الواقع والخُرافات

 

بقلم / شيرين السالمي
تخصص فيزياء نووية

على الرغم من انتشار العلم بين الناس، وتعدّد مصادر البحث العلمي، إلا أنه وللأسف ما زالت هناك فئات تُؤمن بالخرافات.. وما أقصده “بالخرافة” هنا، هو أي تفسير لظاهرة غيبية أو غير مرئية باستخدام تبريرات - قد تبدو علمية - لكنها لا تمتلك لا دليل علمي، ولا دليل شرعي
 

ومن أمثلة الاعتقادات المنتشرة بين الروحانيين ودارسي علم النفس: أن الإنسان يملك هالة تحدد مصيره في الكون، أو أن التفكير الإيجابي يبعث موجات تجذب الأحداث الجميلة وهلم جراً..
 

هناك عدة فئات اختلقت وروّجت لمثل هذه الخرافات، منها:

 - فئة الروحانيين الذين يبحثون عن الشهرة أو القدسية بين الناس، وجدوا أن أسهل طريقة لكسب تصديق الناس، هي إقناعهم بأن ما يتحدثون عنه مبني على أسس علمية.

 

 - فئة رجال الدين في العالم الغربي، حيث فقدوا كثيراً من هيبتهم ومكانتهم في المجتمع. ووجدوا بأن الناس باتوا يكفرون بما ذُكر في كتبهم المقدسة، كالملائكة والجن. فوجد هؤلاء أن أفضل طريقة لجعل المجتمع العلماني الكافر يؤمن من جديد، هي المقارعة بالعلم.
 

 - فئة من طلاب العلم، المهووسون بتحقيق سوابق علمية، للشهرة أو المال، فانصرفوا لعلم الغيبيات؛ وحين انصرفوا بوقتهم وعلمهم نحو مواضيع غيبية، اضطرّوا لتقديم فرضيات غير مُثبتة للعالم حفاظاً على ماء الوجه، ولكسب المزيد من الوقت.

الخلاصة، أن جميعهم اقتنعوا بأن أفضل وسيلة لشراء العقول والترويج لهذه الخرافات، التبرير العلمي.

وتعتبر الفيزياء للأسف أرض خصبة لمُروّجي هذه الخرافات لعدة أسباب:


١- الفيزياء غنيّة بالقوانين والمصطلحات التي تُفسّر الظواهر الطبيعية، كالموجات، والطاقات والأطياف..إلى آخره. وهي بالتحديد ما سوف تخدم الفئات السابقة.

٢- الفيزياء تمتلك طابع معقّد لغير المتخصصين بها، لذلك فإنه من السهل تلفيق مبرر علمي لأي فكرة باستخدام إحدى المصطلحات غير المفهومة، وبالتأكيد لن يستطيع غير المتخصصين من مجادلتهم أو التشكيك فيهم.. فالرونق المعقد للتبرير العلمي يترك لدى الناس انطباع المصداقية.

٣- لا توجد محاولات جدية من الفيزيائيين في العالم الغربي لدحض هذه الخرافات، إما لانشغالهم بالواقع والمعامل، أو لأنهم يعتبرون الحديث في الروحانيات أمر لا يستحق إضاعة الوقت. مع ذلك بدأت تظهر فئة فيزيائية تستند على فرضيات لترويج الإشاعات. إما طمعاً في الشهرة، أو لطباعة كتاب يحقق أعلى المبيعات، وربما يتم تمثيله كأحد أفلام هوليوود للخيال العلمي.
لكن السؤال الأهم، كيف انتشرت هذه الخرافات بيننا كمسلمين..
نحن كمسلمين نؤمن بالغيبيات، وبالروح وبالملائكة والجن والشياطين … إلى آخره. فحين وقع نظر البعض على وجود “مبررات علمية” تدعم ما يؤمن به كمسلم، غلبت عليه نشوة الفرح بأن هناك مبرر علمي لما جاء في القرآن أو في السنة المُطهّرة.. فأخذ هذه المبررات ونشرها وآمن بها كحقائق دون أن يعلم بأنها مجرد افتراضات.

على سبيل المثال، نحن كمسلمين نؤمن بقوله صلّى الله عليه وسلّم:(الأرواح جنودٌ مُجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف) ، ونؤمن بحديث ابي هريرة: قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)
وكلاهما من رواية البخاري ومسلم.

الحديث الأول، يُقدّم لنا حقيقة ائتلاف بعض الأشخاص وتنافر الآخرين.
والثاني، يشجعنا على الرجاء والتفاؤل والإيمان بعظمة وكرم الله تعالى.

ومن جهة أخرى كانت هناك بعض التفسيرات التي قدمها الغرب، مثل أن جسم كل إنسان يبعث موجات، وإن توافقت مع موجات شخص آخر يحصل التوافق والعكس.. وأن التفكير الإيجابي يجعل الجسم يُطلق موجات بترددات معينة تجذب الأحداث التي تتفق مع الفكرة الإيجابية. فتحمس البعض، لأنها في ظاهرها تتوافق مع ما نؤمن به، فسلّموا بها واعتبروها حقائق علمية. وتجاهلوا حقيقة أن كل هذه التفسيرات ليست سوى افتراضات لا تمت للعلم بصلة، وليس لها دليل أو إثبات علمي واحد.

لا تحتاج لأن تكون متخصصا بالفيزياء، لكن اسأل نفسك، لو كان التأليف بين الناس يعتمد على موجات محسوسة ويمكن قياسها، لماذا لا نؤلف بين جميع البشر ونحيا بسلام؟

لو استطعنا إطلاق موجات تجذب الحدث المطلوب، لماذا لا يتحد جميع المسلمين لإرسال موجات مُكثفة بتردد واحد لتحرير القدس؟


لا يهمني من يؤمن بالخرافات من الغرب، فقد وقعوا فيها بسبب الجشع المادي من جهة، والفراغ الإيماني من جهة. لكن السؤال الذي يؤرقني، لماذا ننظر نحن كمسلمين إلى المبررات العلمية المُلفقة وكأنها نقطة في صالح الدين ولما جاء في القرآن والسنة؟ ديننا متكامل ولا يحتاج منا أن نقف على عتبة الروحانيين وبائعي القصص العلمية الخرافية لنشعر بشعور أفضل نحوه.

لو كانت هناك حقيقة علمية مثبتة ولا تنافي العقل، أهلاً وسهلاً بها لكنها لن تزيد من قدر إيماننا، لأننا من قبل اكتشافها نثق بحقيقة ما ورد في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه.

حين أتشبث بفرضيات خرافية لا تمت للعلم بصلة، فأنا بذلك لستُ أخدم الدين، بل أسئ إليه لأنني بهذه الطريقة أحاول اختلاق مبررات تنافي العقل وكأني أبحث بيأس عما يدعم الدين، في حين أن الدين ليس بحاجة لمثل هذه الخرافات. والأدهى والأمرّ أن اختلاق هذه التبريرات يأتي غالباً من روحاني الغرب، والبوذيين، أو عبيد الشهرة.

يُقدم لنا علماء الدين تفسيرات للأمور الغيبية، مثل الروح والجن وحقيقة السحر والعين.. والتفسيرات الدينية في الأمور الغيبية أصدق وهي الأولى بالاتباع.

لذلك، حين تقرأ أي تبرير علمي، ابحث عن الإثبات.. بدون إثبات هو مجرد فرضية وقد تكون خرافة. واحذر من إلصاق الخرافات بتعاليم ديننا الإسلامي “الكامل”..
نؤمن بالغيبيات، لكن محاولة الإنسان لتفسير كل ما هو غيبي دليل على عِظم جهله وغروره. هل يظن الانسان أنه بعقله الصغير سيستطيع أن يكتشف جميع أسرار ما خلقه الله في الكون؟ طبعاً لا.. نتعلم، ونبحث فيما خلقه الله من حولنا. لكن علينا أن نعي بأن هناك أمور تفوق قدرة واستيعاب البشر. لذلك لا داعي لأن نعيش في دوامة محاولة تفسير كل الغيبيات باستخدام العلوم المحسوسة الطبيعية، لأن جميع البشر في نهاية المطاف، سيقفون مكتوفي الأيدي أمام عظمة الله عز وجل.

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.
أنت هنا: الرئيسية الرد علي مزاعم مروجي الطاقة العلمية علم الفيزياء، بين الواقع والخُرافات