سبيلى

الترف الثقافي بين "القصّاص ومدرب معتمد"

عائشة الشمسان*
تتعدد مظاهر الترف وتختلف باختلاف المعطيات والاهتمامات، ولا تقتصر-كما هو سائد- على الترف المادي بل تتجاوزه إلى الفكري والثقافي؛ وذلك حينما يتجاوز حد الاطلاع حاجة الإنسان المعرفية أو السلوكية أو أن يطغى الاطلاع على مالا حاجة فيه ليؤثر على ما تستدعيه الضرورة والحاجة.

 

ولعل من أبرز مظاهر الترف الثقافي والتي سُجّلت في تاريخ مجتمعنا الإسلامي (القُصًّاص، وحضور مجالسهم) حيث بدأت الظاهرة في عصر الخلفاء الراشدين وامتدت لقرون لاحقة، فكان القصاص يقدمون القصص وغريب الأحاديث بقالب وعظي، يغلب عليه الكذب والاختلاق، ولعل رغبة الناس في سماع المواعظ، بالإضافة إلى عدم قدرة كثير منهم على التفريق بين الصحيح والسقيم من القصص والحديث أسهم في انتشار مجالس القصاص مما دفع العلماء إلى التحذير منهم ومن مجالسهم، ومنعهم من التصدر للحديث، وأطلقوا عليهم لقب القصّاص لتمييزهم عن غيرهم من الوعاظ الذين اتخذوا منهجا علميا صحيحا في تذكير الناس ونصحهم.

 

ولم يشفع لهم في ذلك نبل هدفهم المعلن (الوعظ والتذكير) بل كان عبئا عليهم كونهم اتخذوا لتحقيقه وسائل غير مشروعة بل ممنوعة!

 

ووصف الترف لهذه المجالس ينبع من كونها زائدة عن حاجة المتلقي، بالإضافة إلى اشتغال الناس بها عن مجالس العلم، فضلاً عن أنها لم تقدم ما ينتفع به من علم أو معرفة بل كانت معول هدم للتراث الإسلامي؛ فكثير من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة هي من وضع القصاص مما اضطر العلماء إلى تنقيح السنة النبوية من وضعهم وكذبهم.

 

ومن "القصّاص" كنوع من أنواع الترف المتقدم إلى "مدرب معتمد في تطوير الذات" وعلى الرغم من الشهرة المعاصرة لهذا المصطلح إلا أنه يحمل من العموم والغموض ما يطول التفصيل فيه إلا أني سأقتصر على ما تحصل به الكفاية من كونه مظهراً للترف الثقافي المعاصر والذي قد يتجاوز ترف القصّاص في التنوع والتأثير كون المدرب قد أحيط برزم من الشهادات (المعتمدة وغير المعتمدة) أوصلته إلى مرحلة من النرجسية دفعته للحديث عن مختلف المشكلات وتقديم الحلول، فمن مُنظَّر فلسفي إلى مستشار نفسي واجتماعي بل وصحي وشرعي!!

 

والمتأمل في المواد التدريبية لبرامج تطوير الذات يجد أنها مزيج من الكتب والأفلام المترجمة، والبرامج الفلسفية الروحانية لمعلمين وفلاسفة يزعمون الوعي والإلهام ليتوج المتدرب بشهادة أو شهادات من أكاديمية خليجية أو أمريكية أو بريطانية أو أيضا إلكترونية، كما قد تكون من معاهد التبت البوذية (ولا تعجب فتخصصات تطوير الذات النادرة تستدعي ذلك!) ولا تعجب أيضا حينما لا تجد لهذا الزخم من مواد تطوير الذات مسارا علميا في الجامعات والمراكز العلمية!

 

ولعل هذا ما يثير التساؤل عن مصادر تلك المعلومات والمواد التدريبية ونوعيتها ومدى توافقها مع القيم (الشرعية والعلمية والنظامية)؟

 

لا تخفى جاذبية مفهوم (التطوير) وكونه مطلبا إنسانياً ذا أبعاد متعددة، إلا أن التدريب على تطوير الذات مفهوم شمولي، ولم تعد كثير من ملامحه تخفى على متابع لميادين التدريب وموضوعاته، والتي أخرجته من التطوير إلى الترف، لأسباب تتضح عند نهاية الحديث عن أبرز الموضوعات التي تتناولها بعض برامج التدريب المعلنة والتي تثير تساؤلاً حول حقيقة أهدافها....

 

فعلى سبيل المثال لا يمكن أن نجد هدفا سوى نشر -التصوف المغالي- عند من يقدم دورة تتضمن آليات الحصول على الإلهام والتجلي، أو الاتصال بالمطلق والذات الأولى، وأساليب التأمل بالصمت والتمتمة.

 

وتمتلكك الدهشة حينما ترى إعلانا عن دورة للتدريب على التواصل مع الأنبياء والأموات، أو التحكم بالأحلام والخروج من الجسد، وعلاج المرضى عن بعد!!  فهذا من المنظور العلمي نوع من الدجل، وتجب دراسته من الناحية الشرعية وإصدار الحكم فيه، والعجب في هذا ليس من الدجل ذاته بل من تقديمه بقالب علمي!!

 

ويعتصرنا الألم حينما لم يعد بعض أبناء المسلمين يدرك معنى الكهانة، فتجده يدرب أو يلتحق أو يقدم استشارات فيما يسمى (الداوزنج) المسمى المطور للكهانة، والذي صُدّر إلينا من خلال الكتب المترجمة والدورات التدريبية. لقد أصبح "الحبل" والذي تتدلى منه "كريستاله" أو غيرها مستشاراً ومصدرا للمعلومة ودالاً على الحقيقة عند مدربي الداوزنج.

 

ومن المؤسف حين ترى بوصلة التدريب تنحرف من فنون التعامل مع البشر إلى آليات التعامل مع الكون والجماد والحجر وكيفية الإصغاء إليها والحديث معها وتقديم الشكر لها والإفادة من بركاتها وذبذباتها المزعومة بحجة جلب النعم ومباركتها باسم "الامتنان والجذب" في تسطيح للعقل البشري واتباع أعمى لثقافات بائسة لا تختلف في أدبياتها عن تقديس النار والحجر والشجر فضلا عن غرس المفهوم الفلسفي للوجود الوحدوي المتصل، تضليلا وخداعا باسم العلم تارة، وباسم اكتشاف النواميس الكونية تارة أخرى،  مع تحريف واضح لمفهوم الشكر الذي لا يسدى إلا لمتفضل، والطلب الذي لا يكون إلا من قادر، وزعزعة لركن الإيمان السادس تجعل المتلقي في حيرة بين التسليم بقضاء الله وقدره، وبين الشعور بمسؤوليته عن أقداره، وبين التضرع لله وسؤاله وطلبه، أو ممارسة تطبيقات الجذب والامتنان بالاعتماد على النفس والفكر والعلاقة المزعومة بينها وبين الكون والجمادات في استبدال لعبودية الدعاء بل وصرف لها عن حقيقتها.

 

وقد لا يستطيع المتدرب خالي الذهن تمييز ما يقدم في بعض برامج التدريب باسم التأمل والاسترخاء ومدى علاقتها بالطقوس الهندوسية والبوذية كاليوغا وغيرها من ممارسات التأمل المصحوبة بترانيم تهدف إلى تحقيق ما يسمى بالوحدة والاتصال وغيرها من الأهداف المتعلقة بالحياة والمصير بحسب المرتكزات الفلسفية المرتبطة بالفلسفات الشرقية والتي قد لا يدركها من نقلها باجتزاء أو سطحية.

 

وامتدادا لاختراق الشعائر والطقوس الفلسفية الشرقية الصريح لبرامج التدريب، تجد أن شعار الديانة الطاوية مع ما ينسب إليه من مفاهيم فلسفية متعلقة بالخلق ونشأة الكون وما يترتب عليه من تطبيقات حاضرا في برامج ومذكرات التدريب دون اكتراث نتيجة لجهل البعض بحقيقته، واستغفال آخرين واقتياتهم من هذا الجهل.

 

ولم نكن نتصور يوما أن يكون "التدريب" -وهو أحد ميادين العلم والتعليم- بوابة لعبور فلسفة الشك الإلحادية، فهذا أحد المدربين ينادي بالشك الموضوعي ويقول بأن "الأصل الشك ثم الشك" وأخرى تنادي بالشك الذاتي وأن الأمور نسبية ولا وجود لحقائق، وما يترتب على هذا من إقرار ودعوة لإسقاط الرموز والمراجع العلمية، في فوضى فكرية  يقدمها بعض المنتسبين والمنتسبات إلى التدريب للجمهور في تجاوز سافر للأصول الشرعية، والنصوص النظامية للمملكة العربية السعودية، حيث نص النظام الأساسي للحكم في المادة الثالثة عشر من الباب الثالث على أن الهدف من التعليم –والذي يعد التدريب أحد فروعه-: " غرس العقيدة الإسلامية في نفوس النشء وإكسابهم المعارف والمهارات، وتهيئتهم ليكونوا أعضاء نافعين في بناء مجتمعهم، محبين لوطنهم، معتزين بتاريخه".

 

   ليس من المبالغة القول بأن الدورات التدريبية ستدخل بوابة التاريخ كأحد مصادر ومحاضن الخرافة!! وذلك حينما نعلم بأن بعض هذه الدورات تعد المصدر المعلوماتي لما يسمى (الطاقة الكونية، وطاقة الأحجار، والألوان، والأشجار...) وليست المراكز البحثية والعلمية!! كما أن جزءا من هذه البضاعة يمكن تصفحها في كتابي (خمسين خرافة في علم النفس، والطفرات العلمية الزائفة) وتبلغ تلك الخطورة مبلغها حينما تقولب المفاهيم الخرافية بقوالب فلسفية براقة ثم تُخرج في حقائب تدريبية، حيث نصل إلى مرحلة جديدة من الاحتراف في تسويق الوهم.

 

    كما أن وصف " مدرب معتمد" سيكون مرادفا للقصاص إن لم ينظم ويضبط بما يليق برسالة التعليم، فالمعلم وكل من يقوم مقامه إن لم يتبع منهجاً علميا فلا يعدو أن يكون دجالا في ثوب وقار، وبما أنه ليس من العدل إطلاق وصف الخرافة أو الدجل أو الترف على كافة المواد التي يقدمها "مدرب معتمد" إذ إن منها الشرعي و العلمي المبني على أصول منهجية صحيحة، إلا أن كثرة الغثاء فيها تجعل من المهم وصف الحال، ومحاولة عزله وتمييزه بما يليق به على غرار عزل القصّاص عن الوعاظ وتمييزهم.


    ولعل فيما ذكر كفاية لبيان أوجه الترف في الدورات التي يقدمها "مدرب معتمد في تطوير الذات" فما قيل في مجالس القصاص يقال هنا مع اختلاف المواضيع وتعدد الأنواع. فالتصدر للحديث واللامنهجية في الطرح "الخداع، الخرافة، مخالفة الأصول" هي القاسم المشترك بين الظاهرتين، والتي أخرجتاهما من حيز الحاجة إلى الترف بكل مساوئه، وكما ينسب إلى جورج برنارد شو قوله: "احذر من العلم الزائف فهو أخطر من الجهل" لا يسعنا إلا أن نقول مثل هذا لعموم الناس. إذ المقام هنا للوصف والمقارنة لا للرد والتفنيد، والذي له مواضعه لمن بحث عنها، ويبقى دور العلماء والمسؤولين في توجيه الناس وضبط ميادين التدريب، كما فعل الأوائل من العلماء والخلفاء في التحذير من مجالس القصاص وتمييزها.

----------------

* باحثة دكتوراه - قسم الحسبة والرقابة

رابط المقال:

http://aisha1424.blogspot.com/2015/07/blog-post.html?m=1

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.
أنت هنا: الرئيسية الترف الثقافي بين "القصّاص ومدرب معتمد"