سبيلى

التأمل التجاوزي والارتقائي

أشهر صور التأملات المنتشرة اليوم ما يسمي بالتأمل التجاوزي والارتقائي :

مؤسس هذه الطريقة هو فقير هندوسي لمع نجمه في الستينات واسمه مهاريشي – ماهيش – يوجي [1] انتقل من الهند ليعيش في أمريكا ناشراً أفكاره . يزعم أصحاب هذه المدرسة أن الهدف الأسمى لهذه التقنية هو جعل الإنسان قادراً على العمل بانسجام مع قوانين الطبيعة، وبالتالي قادراً على إنجاز عمله بشكل صحيح وتلقائي؛ و يعللون ذلك بأن التقدم التكنولوجي المزدهر في العالم لم يستطع أن يعطي الإنسان الطمأنينة والسعادة التي يحتاجها، بل وبالعكس، لقد أدت التعقيدات التكنولوجية إلى تعقيدات على مستوى حياة الإنسان بشكل عام. فالعالم كله يعاني من مشاكل في مجال الاقتصاد والصحة والبيئة والتربية والدفاع والسياسية والإدارة وغيرها وغيرها. من هنا –علي حد تعبيرهم- كانت الحاجة ملحة لشيء جديد، ولمعرفة جديدة    فأخرج لهم مهاريشي الحل الجديد، وبما أن الإنسان هو الذي يعاني من المشاكل بدأ مهاريشي في تعليم تقنية التأمل التجاوزي كي تساعد الإنسان على  التأقلم مع التغيرات الخارجية، وبما أن التطور العلمي والتكنولوجي هو في الخارج فعلينا أن نتطور أيضا في الداخل من أجل المحافظة على التوازن بين الخارج والداخل. و يقسم هذا المنهج الإنسان إلي 3 أقسام (وعي[2] – عقل – جسم)

و يبرر المهاريشي أن سبب أي خلل أو مرض..." يرجع إلى طبيعة المجال الموحَّد الثلاثية وإلى التداخلات بين الوعي و العقل و الجسم لأنه عند نسيان أو إهمال جانب الوعي و الإقتصار فقط كل ما هو محسوس و ملموس ينشأ الإضطراب و الخلل،  فعندما تُتناسى الطبيعة الموحَّدة للإنسان بحيث تصير الممتلكات المادية وما يراه الإنسان حوله هو الأساس، وتتوارى ذكرى وحدة الوعي  فينشأ هذا الوعي الجديد المجزَّأ يُدعى بـ"خطأ التفكير" و إليه يرجع كل خلل و اضطراب يصيب الإنسان و المجتمع ككل؛ علي أن هذا الكلام ليس وجهة نظر شخص معين أو حضارة بعينها، بل نجد لها آثارًا في الحضارات كافة، مثل الهندية والصينية واليابانية، إلى الشرق أوسطية والصوفية وثقافة الهنود الحمر، إلخ؛ نجدها في كتابات جبران وميخائيل نعيمه، إلى الحلاج وابن عربي والنفَّري، إلى أفلوطين ودانتي ووليم بليك ووالت ويتمان، إلى غيرهم كثيرين ممَّن تكلَّموا على وحدة الأشياء والوعي. يقول وليم جيمس William James (1842-1910)، الفيلسوف الأمريكي المشهور: على السطح، نبدو منفصلين واحدنا عن الآخر، مثل جزر في البحر؛ لكننا، كجزر البحر، متصلون على مستوى قاع المحيط."[3]

أما عن كيفية تطبيقها فهي لا تختلف كثيراً عما سبق شرحه سابقاً "تعتمد هذه الطريقة على تدريبات التنفس العميق الذي يضمن دخول طاقة "البرانا" إلى داخل الجسم "البطن" ، ويكون من الفم لا الأنف لأن الفم أكبر مع إغماض العينين وتحريك الحدقة بشكل دائري والتركيز على عملية الشهيق والزفير ، ويجب أن يتم تحت يد مدرب خبير لنتظيم وقت الشهيق والزفير والتحول من الفم للأنف، ثم التبادل بين فتحتي الأنف لضمان تغذية متوازنة لشقي الدماغ من طاقة "البرانا" الكونية . كما تعتمد على تمارين الاسترخاء عن طريق تأمل الذات من الداخل للوصول للنشوة والنرفانا "التناغم مع الطاقة الكونية"- المزعومة - فالتأمل الارتقائي ممارسة تهدف – عند أهلها - إلى الترقي والسمو ، والوصول للاسترخاء الكامل ، ومن ثم النرفانا ، فالارتقاء المقصود هو الارتقاء عن الطبيعة الإنسانية ، وتجاوز للصفات البشرية إلى طبيعة وصفات الآلهة "الطواغيت" – كما يزعمون - ، ودوراته تعتمد على إتقان التنفس العميق مع تركيز النظر في بعض الأشكال الهندسية والرموز والنجوم (رموز الشكرات) وتخيل الاتحاد بها مع ترديد ترانيم ، أو سماع أشرطة لها بتدبر وهدوء وتتضمن كثير من هذه الترانيم استعانة بطواغيت عدة مثل :" أوم ...أوم...أوم "

وصورة التأمل الارتقائي المقدمة في بلاد التوحيد لاتختلف عن ذلك إلا في بعض محاولات "الأسلمة" فستبدل الترانيم بكلمة لا معنى لها نحو :"بلوط ..بلوط ..بلوط" ، أو كلمة لها معنى روحي عند المسلم : "الله ..الله ..الله " "أحد ..أحد .." ويزعمون تدليساً أو جهلا – هداهم الله – أن هذه "مانترا" إسلامية عرفها الرسول والصحابة وكان يرددها بلال بن رباح رضي الله عنه في بطحاء مكة فأمدته بطاقة كونية جعلته يتحمل البلاء الشديد في تلك الفترة !!"[4]



[1] - لهذا الهندوسي أتباع يُعرفون بالمهاريشية و هي نحلة هندوسية دهرية ملحدة، انتقلت إلى أمريكا وأوروبا متخذة ثوباً عصريًّا من الأفكار التي لم تخف حقيقتها الأصلية، وهي تدعو إلى طقوس كهنوتية من التأمل التصاعدي (التجاوزي) بغية تحصيل السعادة الروحية؛ و تنقل مصادر عدة علي شبكة المعلومات أنه في عام 1981م انتسب إلى هذه الفرقة ابن روكفلر عمدة نيويورك السابق وخصص لها جزءً من أمواله يدفعها سنويًّا لهذه الحركة، ومعروف انتماء هذه الأسرة اليهودية إلى الحركة الصهيونية والمؤسسات الماسونية.

[2] - يدندنون أصحاب هذه النظريات دوما بمصطلح الوعي و هم لا يقصدون به المعني اللغوي الذي هو: حفظ الشئ، بل يستخدمون معني باطني له – كسائر أمورهم – "فالوعي عندهم هو أعمق صلة لنا مع الكون ومع قوانين الطبيعة كلِّها؛ فهي تتجاوز تجربتنا العقلية لتشمل كلِّية الحياة- انظر المجال الموحد في المنظورين الطبي و النفسي لقيصر زحكا". فالوعي عندهم و الذي يعبرون عنه أحياناً بالعقل اللاواعي له معني باطني مفاده الجزء الداخلي في الإنسان اللامحدود القدرات و الذي هو جزء من كلي واحد له صفات و قدرات لا محدودة؛ إنها نفس أصول فلسفة وحدة الوجود علي اختلاف أزمانها و أماكنها.

[3] - المجال الموحد في المنظورين الطبي و النفسي لقيصر زحكا – بتصريف - .

[4] - علم الطاقة الباطني – د.فوز الكردي

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.