سبيلى

الهندوسية *

 
 أولئك الذين يتساءلون عن الـ  ( براهمان  ) يقولون : ما الذي أحدث براهمان ؟ ولماذا ولدنا ؟ كيف نحيا ؟ وعلى أي أساس ؟ }  - الأوپانيشادات -

 

أولاً : المبدأ

إن السؤال عن المبدأ هو السؤال الأول الذي يلح علي الإنسان؛ كيف بدأ هذا الكون، من أين جاء ؟

في الهندوسية هناك أكثر من تصور لنشأة الكون أهمها:

  •  إحداها تتحدث عن فداء الإله، حيث ضحى بنفسه ليوجد الوجود، فتجزأ ليكون هذا الكون.
  •  بينما تركز الـ أوپانيشادات[1] على أن أصل الكون راجع إلى ( براهمان ) منبثق عنه، وهو العلة الكبرى الذي لا علة له، فهو الجوهر المطلق لكل موجود.

و بالتالي تعتبر نقطة البداية عند الهندوس هي الـ براهمان ( Brahman - ब्रह्मन् )

فما هو البراهمان

بدأت فكرة الـ( براهمان ) بالتشكل في نهاية المرحلة الڤيدية[2]، حيث طرح "الحكماء" فكرة المطلق الفرد الذي يرتكـز عليه الوجود كله. وقد تعددت الأفكار حول ماهية هذا المطلق، ولكن مع مرور الزمن، حل الـ (براهمان) محل هذه الأفكار جميعا، وبدأ تعريفه بأنه المبدأ الكوني المطلق الذي يظهر لنا بشكل الكون الذي نراه من حولنا؛ إذن فبراهمان هو المبدأ المطلق الذي توَّلد منه الكون والآلهة حيث أن الهندوس يؤمنون بتعدد الآلهة.

هناك تصوران رئيسيان تعرضت لهما النصوص الهندوسية فيما يخص طبيعة الـ ( براهمان ) :

  • الأول : أنه الإله الأسمى
  • والثاني : أنه مطلق لا شخصي لا يحمل صفاتا إلهية ، وهو الرأي الأشهر عند المدارس الهندوسية المتأخرة .

 

وفي الحقيقة، فإن الهندوسية لا تعتمد بشكل رئيسي على عقيدة  "الإله " أو على الاعتقاد بوجوده من عدمه، واحدا أو عدة. فمن الممكن أن يكون المرء هندوسيا " صالحا" بغض النظر عن اعتقاده في الإله، سواء آمن بإله واحد أو عدة آلهة، وسواء كانت نظرته واحدية توحُّدية أو كانت إلحادية. وإنما ينصب الاهتمام بشكل رئيسي على السلوك وليس على الاعتقاد؛ هذا، وقد مر مفهوم الإله في الهندوسية بعدة مراحل زمنية و فكرية، منذ بداية الفترة الڤيدية وإلى أن تشكلت الهندوسية المعاصرة يمكن تلخيصها بما يلي :

  •  النـزعة التعددية :كانت النـزعة الطبيعية التعددية تمثل المراحل الأولى من التصورات الفكرية الهندية حول الإله، حيث كان يُعبد إلها لكل ظاهرة طبيعية .
  •  النـزعة الواحدية والقول بوحدة الوجود: وهي ظاهرة في نصوص الأوپانيشاد، حيث فُسرت النصوص القديمة المبنية على التعددية  بناء على هذا التصور. فاعتبرت الكثرة صوراً للواحد المطلق، والآلهة ليست إلا مظاهر وتجسيدات لـ ( براهمان )
  •  النـزعة الحلولية: فهناك تصور عن إله مشخص وهو حال في الموجودات وليس متحدا بها ولا هي مظاهر له.
  •  التثليث: وهي النظرة الأكثر انتشارا بين الهندوس في الأزمنة المتأخرة ، ولكنها - في الواقع - صورة من صور وحدة الوجود . فـ  "براهما" الخالق  و"ڤيشنو" الحافظ و"سيفا" المدمر ليسوا إلا مظاهر للواحد المطلق ( براهمان )، علماً أن هذا القول لم يظهر إلا في القرن التاسع قبل  الميلاد .

و الذي يظهر، أن  ثمة عقيدتان، عقيدة العامة، وعقيدة الخاصة. فالتعددية البدائية هي عقيدة العوام، أما الكهنة والخواص فلديهم تصور واحدي للوجود قد لا يتمكن العامة من استيعابه ، فيبقون على الوثنية الساذجة [3]

إن فكرة خالق منفصل عن الكون هي فكرة غريبة عن الهندوسية " فكل من العقل ومادة الكون ينظر إليهما على أنهما متضَّمَنان في الوجود ذاته، ولا سبيل إلى فصل أحدهما عن الآخر. ولأن الوجود كان يُنظر إليه على أنه عاقل، بحكم ما في مضمونه، "فإن الكون قد نُظِر إليه باعتباره كلا مُنَظِّما ". و هذا ما سطرته نصوص الأوپانيشاد حيث سطر الحكماء ما عدوه اكتشافا مثيرا، و هو أن الـ ( أتمان ) أي النفس البشرية ليس إلا ( براهمان ) المبدأ المطلق الذي تولد منه الكون!  وقد تأثر صوفية الإسلام  بالاتجاه الهندوسي القائل بوحدة الوجود. [4]

وإذا أردنا أن نتعرض لهذه العقيدة بشيء من التفصيل فإننا نجد أن هناك مذهبين رئيسين في الهندوسية تجاه العالم الموجود :

  • فالهندوسية الثنائية  (الازدواجية) ترى أن العالم الموجود حقيقي كالإله، وهي بذلك تعتقد بالحلول أو بالتعددية .
  • أما الهندوسية غير الثنائية  (الواحدية ) فيرون أن العالم الذي يظهر لنا هو وهم مزيّف، وأن الوجود حقيقة واحدة هي براهمان[5]

ومع هذا وذاك، فإنه يمكن إدراج معظم التيارات الهندية تحت الاتجاهين الرئيسيين الذين تمت الإشارة إليهما. أما الاتجاه المهيمن على النظرة الغربية للهندوسية-وهو الذي يهمنا هنا- فهو القائل بوحدة الوجود الخالصة والذي يجعل الآلهة كلها صوراً ومظاهر لحقيقة موحدة هي: الـ (براهمان). وقد كان لأتباعها البارزين أمثال سوامي ڤيڤيكانادا ( Swami Vivekanand )[6] الأثر الكبير في إيصال هذه الأفكار للعالم الغربي.

هذه هي تصورات الهندوس للمبدأ الذي بدأ منه الكون و الوجود، أو بمعني آخر هذه رؤية غالبية الهندوس لبدئ الخلق؛ و قضية بدء الخلق أو المبدأ لها أهمية كبيرة جداً في معتقدات الشعوب؛ و لها دور كبير في تشكيل بقية معتقداتهم و معالم دياناته. فهي أول سؤال يتبادر إلي ذهن من لم يهتدي بنور الوحي المعصوم ( ما هو المبدأ ).

و الجدير بالذكر هنا أن هذه التصورات العقدية لنشأة الكون و التي سطرها الهندوس في كتبهم المقدسة حيث تنقسم الكتب المقدسة إلي قسمين رئيسيين ، هما : النصوص الملهمة والنصوص المؤلفة.

و فيما يلي نستعرض أهم المعتقدات و التصورات التي تعنينا في بحثنا هذا .

أولاً : النصوص الملهمة أو الـ شروتي ( Shruti - श्रुति )

( 1 ) هي عبارة عن النصوص المسموعة التي يُعتقد أن الريشيون [7] سمعوها من الكائن الأسمى  ( براهمان  ) . وهي تشمل المتون الأصلية للڤيدات بالإضافة إلى الملحقات التي ألحقت بها، و هم أربع فيدات، وتعني كلمة " ڤيدا " : المعرفة ، في إشارة إلى معرفة الوجود ،  وتُعدُّ الـ ڤيدات  أقدم المصادر العلمية التي يُعتمد عليها في تاريخ الديانات الهندية، ولقد بقي الناس يتعبدون بتراتيلها في صلواتهم ، كما يلجئون إليها للعلاج والسحر؛ وتحوي كتب  الـ ڤيدا مزيجاً من السحر والتجارب البشرية والعقائد الدينية والتراتيل والحكم الشعبية؛ فعلي سبيل المثال تحتوي الأتهارڤا ڤيدا ( Atharva veda - अथर्ववेद ): علي مزيج من الترانيم و الشعوذة والسحر المستخدم لطرد الأرواح الشريرة ، كما يوجد فيه وصف لممارسات غامضة يراد بها حماية النفس من الأعداء . 

ثم أن كل واحدة من هذه الڤيدات الأربع تتكون من أربعة أقسام  هي :

أ -  الـ سامهيتا ( Samhita - संहिता ) : أو المتون الأصلية ، وهي عبارة عن قصائد شعرية موجهة لآلهة مختلفة .

ب - الـ براهمانات ( Brahmanas - ब्राह्मण ) : وهي نصوص نثرية تصف تفاصيل الطقوس والشعائر وقواعد تقديم القرابين ومواسمها كما تنطوي على إشارات إلى العقائد .وفي هذه الكتابات نجد توجها إلى الاعتقاد بإله أسمى يفوق سائر الآلهة .

جـ - الـ  أرانْياكات ( Aranyakas - आरण्यक ) : وتحتوي على التعليمات العملية التي يجب أن يسير عليها الكهنة بعد اعتزال أهليهم ، كما تشمل توجيهات في التنسك والعزلة وتشجيع لسكان الغابات على التأمل . وقد مهدت  الـ أرانياكات الطريق لظهور التعاليم الباطنية الاستسرارية [8] التي كان لها شيوعاً فيما  بعد .

د- الأوپانيشادات[9] ( Upanishads - उपनिषद्): وهي أهم هذه الملحقات ، حيث تمثل الحصيلة الفلسفية التي أنتجها الفكر الهندي، وهي تُركِّز على المعرفة والأسرار التصوفية بهدف اتحاد الذات الفردي بالذات الكوني ، كما تُفسِّر الوجود بنظرة واحدية  تعتمد على القول بوحدة الوجود وأنه ليس ثمة إلا كيان وحيد يمكن أن يقال عنه أنه موجود حقاً ، وهو ما يسمى بـ ( براهمان  ) . وما يلي نموذج من مقاطعها :

و يكفي لبيان ما أنتجه هذا الفكر من تصور لهذا الكون و بدايته ما سُطر علي صفحات الأوپانيشادات:

" أولئك الذين يتساءلون عن الـ  ( براهمان  ) يقولون : ما الذي أحدث براهمان ؟ ولماذا ولدنا ؟ كيف نحيا ؟ وعلى أي أساس ؟ يا أيها العارفون لـ  ( براهمان ) ، بأمر من نعيش اللذة والعذاب ، كل بصفته الخاصة ؟  هل نعتبره الزمان ، أم الطبيعة المتأصلة ، أم الضرورة ، أم العناصر ، أم الصدفة ، أم مصدر الولادة ، أم هو الشخص ؟  أم هو مجموع هذه كلها ؟ ولكن هذا يستحيل ، لأن هناك  النفس  ( أتمان  ) ، وحتى النفس لا تملك السلطة ، فهي كذلك تحس باللذة والألم . أولئك الذين يتبعون نظام التأمل يرون الإله والنفس والقوة ، كلها مخفية وراء خصائصهم . واحد فقط هو الذي يسيطر على جميع تلك الأسباب ، من الزمان وحتى النفس .

 

ثانياً : النصوص المؤلَّفة أو الـ سمرتي ( Smriti - स्मॄति )

لما كان للـ ڤيدات منـزلة قدسية تمنع غير البراهمة من الاطلاع عليها، كان من اللازم إيجاد نصوص بديلة تعمل على إشباع الرغبات الدينية لهؤلاء المحرومين تشترك مع الڤيدات في المبادئ والمفاهيم الأساسية وإن كانت لا تشترك معها في القداسة المطلقة . و لا تحظى نصوص الـ سمرتي بالسلطة التي تحظى بها نصوص الـ شروتي؛ وللسمرتي أقسام عدة نتناول منها ما نود الإشارة إليه:

  •  الملاحم

1- الـ بهاغاڤاد غيتا ( Bhagavad Gita - भागवद् गीत ):تروج لعقيدة ينادي بها الإله(كرشنا- [10] Krishna) من خلال نصائح يسدي بها للأمير( أرجونا -  [11] Arjuna )الذي يقود جيشا يوشك أن يخوض حربا مع  أقربائه وأحبائه، حيث تمثل كرشنا بجسد مساعدٍ للأمير.  كما يظهر فيها في كثير من الأحيان الميل إلى فكرة الإله الشخصي الحال في المخلوقات بدلا من وحدة الوجود المشار إليها في الـ أوپانيشادات . ومن الملاحظ التوسع النسبي في سبل الخلاص، فنجد كرشنا " يتقبل جميع أنواع الإيمان والاعتقادات . لا يتعصب لشكل واحد معين من التعبد أو لبلوغ الإشراق"، فيجعل الخلاص عن طريق  الـ ( يوغا ) ، والتأمل والتركيز الداخلي ، بالإضافة إلى التعبد التقليدي غير الباطني

ثانيا: الغاية

هذا هو السؤال الثاني، لماذا خلقت؟ ماذا عساي أن أفعل في حياتي؟ ما هي الغاية؟

من أجل معرفة غاية الهندوسي في حياته التي يعيشها لابد من معرفة كل من :

  •  الـ ( كارما ) ( Karma - कर्म )
  •  الـ (سمسارا ) Samsara - संसार ) 
  •  الـ (الموكشا )( Moksha - मोक्ष )

  •  تعرَّف الـ  ( كارما ) بأنها حصيلة ما يقوم به الإنسان من أعمال وما يحدثه من سلوكيات وتأثيرات في المجتمعات ، ثم ما يترتب على هذه الأعمال من آثار على مجرى حياته الحالية والمستقبلية ، ومن ثم يصبح الإنسان مسؤولا مسؤولية مباشرة عن كل ما يصيبه، فلا يوجد شيء بلا سبب .  ولما كان الواقع مناقضا لهذه الفلسفة ، حيث قد يوجد من هو سيء السلوك ظاهر الفساد ولا يظهر أثر ذلك على حياته، كان لا بد من تمديد فترة الثواب والعقاب إلى مرحلة حياتية أخرى من خلال الـ  (سمسارا ) . وهي التي لا يمكن فهمها إلا بمعرفة الـ (كارما  ) ، فالعلاقة بين الاثنتين هي كالعلاقة بين الغاية والوسيلة ، حيث أن الثواب والعقاب  يُنفَّذ عن طريق الـ  ( سمسارا  )

  •  أما الـ  ( سمسارا  ) فهي تناسخ الأرواح ، و" التناسخ هو أن تعود النفس إلى جسم آخر لأنها لم تشبع في الأول سائر أعمالها ولأنها لم تؤد واجباتها ، ولم تتمتع بثمرة النشاطات التي نفذتها في الحيوات الأوائل . متى أُشبعت كل الرغبات ، وأدَّت النفس كل ما عليها بلا آثام تسقط ضرورة التناسخ، وعندها تنجو النفس، و تتحرر من التناسخ لتحقق الانعتاق الكامل أو ما يسمى بالـ ( موكشا  ). ومما يروى في أحد الكتب الهندوسية المقدسة قول أحد الآلهة مقررا لهذا الاعتقاد  : " وكما أن الروح تمر في هذا الجسد الفاني في مراحل الطفولة والشباب والهرم ، فإنها ستتابع سيرها في جسد آخر غيره . من آمن بهذا الرأي فإنه لن يحزن لما يقع" . الكيتا ( 2 : 13 )

  •  أما الـ  ( موكشا  ) هي الغاية الأساسية من جميع أشكال البحث الديني والفلسفي في الهند .   تشتق كلمة  ( موكشا  ) من الجذر :( muc ) الذي يعني : يعتق أو يحرر أو يطلق، فهي تعني :" التحرر الروحاني ، وهي هدف كل الموجودات التي يمكنها الوصول إلى التحرر الروحاني الأخير من استرقاق عالم الـ ( سمسارا ) " وتكرر الولادات مع ما يصاحبها من منغصات وأكدار كالمرض والفقر والهرم والألم والموت. ويفسر هذا التحرر بأنه الذوبان التام للذات ( أتمان ) بالكلي  (براهمان ) ، حيث يفنى الأول في الثاني ويندمج فيه كما تندمج قطرة ماء بالمحيط العظيم.

 

إن الـ ( موكشا ) حالة "روحية " وليست مكاناً تنتهي إليه الروح ، فهي ليست مقابلا للجنة في الديانات ذات الأصول السماوية ، خاصة أنها ليست مقيدة بالموت بل تتحقق أثناء حياة الإنسان . كما أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه عن طريق الأعمال الصالحة لأن هذه الأعمال يكون جزاؤها في حياة أخرى ، فهي لا تخرجه من دوامة التناسخ ، تماما كالأعمال السيئة ، وإنما يتحقق عن طريق السلوكيات التصوفية والعزلة والتزهد ، حتى لا يبقى في نفس الإنسان أي رغبة. ولذا نجد أن في الهندوسية دعوة إلى ترك العمل والانكفاء على الذات من أجل التوصل إلى الاتحاد. ومما ورد في الكتاب الهندوسي المقدس :" لقد تحرر الحكماء الذين لا يأبهون لنتائج الأعمال من قيود الولادة" ( 2 : 51 ).

و لما كانت الموكشا هي غاية الهندوسي في هذه الحياة فقد قدمت الهندوسية أربعة سبل يتحقق من خلالها الإدراك الموصل إليها و هي :

  •  يوغا كارما ( Karma Yoga - कर्मयोग )
  •  يوغا بهاكتي ( Bhakti Yoga - भक्तियोग)
  •  يوغا نيانا ( Jnana Yoga - ज्ञानयोग)
  •  يوغا راجا ( Raja Yoga - रजयोग ): وهي التي نود الإشارة إليها هنا؛ والتي تعد السبيل الميسر أو النظام الروحاني . فهي نظام أو أسلوب للسيطرة على العقل وتهدئته. وهي سبيل للوصول إلى التحرر العقلي والصفاء الذهني من خلال ممارسة التأمل والتركيز. وهذه اليوغا هي التي تمارس اليوم في مختلف أنحاء الأرض بهدف التوصل إلى الصحة النفسية والبدنية .

ثالثاً: المصير:

لا يلتقي المنتهي في الهندوسية مع المنتهي في الأديان السماوية؛ فمرحلة الجنة و النار في الهندوسية تختلف تماماً عن مرحلة الجنة و النار في الأديان السماوية، حيث تعد الجنة والنار في الهندوسية مراحل انتقالية مؤقتة .

ويعد أصحاب الجنة في الهندوسية هم الذين عملوا أعمالا  "صالحة " لكنها لا تؤهلهم للتوصل للـ ( موكشا )، فالجنة مرحلة انتقالية يمر بها المرء قبل الانتقال إلى حياته الأخرى عن طريق التناسخ . وأما النار : فهي - كذلك - مرحلة انتقالية ، بحيث يطهر الشخص من "الذنوب" لينتقل بعد التعذيب إلى جسد جديد .

لذلك نجد أن المصير في الهندوسية إحدي سبيلين إما التناسخ الأبدي و إما الإتحاد مع الكلي الواحد .

 

العبادات الهندوسية

أشهر العبادات الهندوسية و أكثرها علاقة بما نحن بصدد بحثه:

التأمل وتقنيات التحكم في التنفس : وهو من أهم العبادات ، يهدف المتعبد من خلاله إلى تحصيل الهدف الأعلى في عموم الفكر الهندي الديني ، وهو الاتحاد بالمطلق الكلي . كثيرا ما يقترن التأمل بأوضاع جسدية مميزة ، يبقى عليها العابد لفترات طويلة . من هذه الأوضاع ما هو خاص بالأصابع . ويسمى المودرا ( mudra - मुद्रा ) . وهو سمة مميزة للهندوسي

 

شكل توضيحي لأحد أشكال المودرا

 

الصوم والأنظمة الغذائية : يشمل المفهوم التعبدي الهندوسي بعض الأنظمة الغذائية تحدد ما يأكله الإنسان وما ينبغي له تجنبه ، وقد يندب السالك  إلى تجنب الطعام تماما في فترات معينة  .

الصلاة : وهي عبارة عن تلاوة صامتة للصيغ المقدسة  التي تسمى :     ( مانترا ) ( mantra - मन्त्र ) ، تكرر هذه الصيغ بأعداد غير محددة . تتكون الـ ( مانترا ) من مقطع صوتي أو أكثر يصل إلى مائة مقطع ، بعض هذه المقاطع بلا معنى ظاهر وبعضها مجرد ترديد لأسماء الآلهة . ومن أشهر هذه الـ ( مانترات ) على الإطلاق هو : ( أوم ) ( aum ) ، وهو الصوت البدائي الذي يعتقد أن الكون خلق بواسطته . تهدف هذه الصلاة إلى الإعانة على تحصيل تركيز أكبر ، بالإضافة إلى تحقيق الحماية والنجاح .



[ * ] - جُل هذا المبحث مأخوذ من رسالة الماجيستير للدكتورة هيفاء الرشيد بعنوان "التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية - دراسة عقدية " و قد يسر الله طبعها . - أسأل الله أن ينفع بها و أن يجعلها في ميزان حسناتها.

[1] - سيأتي تعريفها في هذا المبحث

[2] - الڤيدية هي الديانة التي جاء بها الآريون النازحون إلى الهند في القرن الخامس عشر ق.م،و هي ديانة متعددة الآلهة استمدت تسميتها من نصوص الڤيدات المقدسة Vedas - वेद. تتصف الڤيدية بالطابع الكهنوتي الذي يرتكز على إرضاء الآلهة عن طريق تقديم القرابين والطقوس المتعلقة بها ،  حيث كانت هي مقياس الصلاح .

[3] - انظر : تحقيق ما للهند من مقولة : 84 - أبو الريحان البيروني ، و Hinduism : 36 - Luis Renou – نقلا التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية-.

[4] - انظر : تحقيق ما للهند من مقولة :  ( 60 - 67  ) - البيروني ، و تاريخ التصوف الإسلامي من البداية حتى النهاية  :  ( 35 - 40  ) - د. عبدالرحمن بدوي

[5] - ذلك أن غالبية المذاهب الهندوسية السابق ذكرها ترى أن الطريق إلى النجاة و الخلاص الأبدي هو من خلال الاتحاد بـ " الكلي " وبالوجود المطلق  ( براهمان  ) .

[6] - سوامي فيفكانندا : هو أبرز تلاميذ راما كريشنان مؤسس المدرسة الـ  ( سمارتية  ) ، ولد عام 1862 م ، وكان خطيبا مفوها ومدافعا عنيدا عن الڤيدات . خلف راما كريشنان ونشر حركته حول العالم حيث أسس لها فروعا داخل الهند وخارجها . وكان الناطق باسم الهندوسية في برلمان الأديان الذي عقد في شيكاغو عام 1893 فأحدث أثرا في المشاركين . توفي عام 1902 م . انظر : الأديان الحية : 41 - أديب صعب.

[7] - الريشيون ( Rishis ) : أو البصَّارون ، هم الحكماء الذين يُعتقد أنهم تميزوا بجهاز عصبي أثيري مكنهم من سماع تراتيل الڤيدات من الكائن المطلق  ( براهمان  ) بينما هم في  تأمل عميق . انظر : الحكمة الهندوسية : 70  - حلقة الدراسات الهندية ، و A Dictionary of World Mythology : 83 - edited by : Arthur Flagg Cotterell

[8] - الاستسراري ( Esoteric ) : هو ما يقتصر تعليمه على فئة معينة ، حيث تنتقل العلوم من المعلم إلى التلميذ بشكل محاط بالسرية .  ( انظر : المورد : 320 -  د. منير وروحي بعلبكي  )

[9] - الأوپانيشاد : تتكون هذه الكلمة من مقطعين :  ( أوپا  ) ومعناها : بالقرب ، و  ( نيشاد  ) ومعناها : يجلس ، فيكون المعنى الحرفي هو :  "الجلوس بالقرب من المعلم" ولكن هذا اللفظ أصبح يُطلق على المذهب الغامض الذي كان يُسِرُّه المعلم إلى خيرة تلاميذه وأقربهم إليه . انظر :   قصة الحضارة : 3 / 43  - ول ديورانت

[10] - كرشنا : يعتقد أنه أحد تجسيدات الإله ڤيشنو ، وحافظ البقر والترانيم المقدسة . يذكر أنه الابن الثامن للأميرة ديڤكي ، نجا من قتل عمه الملك كانس بأعاجيب ، حيث كان الملك قد رأى مناما  بأن الابن الثامن يقتله . تحف حياته الكثير من الخرافات والأساطير ، وهو بطل الـ بهاغاڤاد غيتا .  قتله أحد الصيادين خطأ بعد أن سحرته امرأة كان قد قتل ابنها . انظر: Myths of the Hindus and Buddhists : ( 219 - 244 ) - Ananda K. Coomaraswamy , Nivedita

[11] - أرجونا : تحكي الأساطير أنه الابن السادس للأميرة كونتي من الإله إندرا ، التي سُحر زوجها الملك پاندرا ليموت عند احتضانه لامرأة ، إلا أنها كانت تعلم " مانترا " تستدعي بها الآلهة ليرزقوها بالأبناء . يقال أن  أرجونا استمد جماله من والده الإله إندرا وكذلك براعته في القتال مع دماثته وحسن خلقه . وهو بطل ملحمة الـ بهاغاڤاد  غيتا في مواجهة أخوه لأمه كارنا بتوجيه من الإله كرشنا . انظر : The Myth of the Birth of the Hero : ( 15 - 17 ) - Otto Rank

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.