سبيلى

الطاوية *

{ كان هناك شيء غيرواضح..ولد قبل السماوات والأرض..صامت ، فارغ..وحيد ، لا يتغير دائم الحركة ، لا يُنهك قد يكون أُمّا لما تحت السماء..أنا لا أعرف اسمه، ولكني أسميه الـ (الطاو) }   - لاوتزي  -

 

ما هي الطاوية؟

يمكننا القول بأن الطاوية هي فلسفة وديانة صينية شعبية[1]، ولكن من الصعب التوصل إلى مفهوم محدد لها ويمكن إرجاع السبب في ذلك إلى عوامل ثلاثة :  

1. أن الطاوية - كما نراها اليوم - قد تشكلت عبر مراحل مطولة ، وخضعت لعملية إدماج مستمر للعديد من  التسلسلات الفكرية القديمة والعناصر الخارجية.  

2. أن كثيراً من التعاليم الطاوية محاطة بالغموض . ويحرص أتباعها على السرية التامة حيث لا تُفشى أسرارها إلا لخواص الأتباع. [2]

التأسيس:

المؤسس الأول : لاو تزي Laozi -

رغم وجود جدل واسع حول بداية ظهور الطاوية، وحول شخصية مؤسسها، إلا أن جل الباحثين يرجعونها إلى الفيلسوف الصيني : لاو تزي Laozi - و الذي قام بتأليف كتاب الـ  ( طاو طي جنغ  ) Dao de jing - و هو الكتاب الذي تعتمد عليه الطاوية بشكل رئيسي و الذي يُعتبر رموزا غامضة لا يمكن أن تُفهم إلا على ضوء الشروح الموضِّحة؛ و لقد اختلفت النظرة إلى لاو تزي بحسب اختلاف أتباعه، حيث تناسبت صورته مع توجهاتهم ومشاربهم  .

  •  فصوّره ممارسي التخليد[3] على أنه ساحر عظيم استطاع التوصل إلى الخلود بالحكمة وطرق إطالة العمر .
  • أما النخبة والبلاط الإمبراطوري فقد جعلوه تجسيدا للـ ( طاو ) و هو إمبراطور خارق للطبيعة يدير الكون ويجلب السلام للإمبراطورية الصينية . 
  • وفي القرن الثاني ، جعله الثوار المثاليون مخلصا للطبقات الدنيا من المجتمع واعتبروه المسيح الملهم ، وزعموا أنه كان يتجلى لقادتهم أثناء حالات النشوة فيوحي لهم ما يشاء.

 

المؤسس الثاني: المؤسس الثاني : شوانغ تزي (  Zhuangzi )

ولد شوانغ تزي في ولاية سونغ عام 369 ق.م . وتقلد منصبا صغيرا في مدينة  " خيان " لفترة قصيرة ، زار فيها القصور الملكية التي كان المفكرون ينتقلون فيما بينها في محاولات لإصلاح الأوضاع، غير أنه سرعان ما نبذ صخب العيش في المدينة ولجأ إلى العزلة والتنسك والتأمل في أسرار الكون والوجود .

فلسفتهما:

قدمت فلسفة المؤسس الأول"لاو تزي" علي أن الخلاص لا يمكن أن يتحقق بمحاولة إصلاح الأوضاع العامة و بالعمل الاجتماعي ، وإنما يكون بالابتعاد عن الحياة الاجتماعية، هذا الخلاص هو خلاص فردي منبعث من داخل النفس الإنسانية المنصاعة لقيادة الـ(طاو ) Dao - الأبدي السرمدي ، ويتم بتوحُّد الـ ( طي ) DEالفردية مع الـ ( طاو ) الكلي المتحكم في الوجود .

أما عن فلسفة "شوانغ تزي" فقد قامت أيضًا على أساس مبدأ وحدة الإنسان مع  الـ ( طاو  ) حيث يرى فيها تحقيق الحرية الفردية المؤدية إلى التحرر الكامل من قيود الحياة المادية .

 

 

أولاً :ما هو الـ طاو Dao / Tao

ترتكز الفلسفة الطاوية على مبدأ  الـ ( طاو  ) الأبدي، وإليه تنسب، فجميع المفكرين الصينيين قد أخذوا بفكرتي  الـ ( طاو ) و الـ ( يانغ  ) و الـ  ( ين ) بأشكال مختلفة تتناسب ورؤيتهم الفلسفية للإنسان والمجتمع.

الطاو في اللغة :

يعني الطريق أو الطريقة أو السبيل أو الصراط أو النهج.

الـ طاو في الفلسفة الطاوية :

من الغريب أن يكون العنصر الرئيسي في الفلسفة الطاوية غير قابل للتوضيح أو  الفهم ، وهو مما يعزز القول بأن الطاوية فلسفة غامضة لا يمكن الإحاطة بكنهها أو تحديد مفهوم دقيق لها؛ يفتتح لاو تزي كتاب الـ ( طاو طي جنغ ) بالعبارة التالية :

" الـ  ( طاو )  الذي يمكن التعبير عنه..ليس هو الـ ( طاو ) الأبدي..الاسم الذي يمكن تسميته..ليس هو الاسم الأبدي..هذا الذي بلا اسم ، كان مبدأ السماوات والأرض ..والمسمى كان أُمّاً لآلاف المخلوقات "[4]

إن وصف الـ  ( طاو  ) بأنه " شيء " - في نظر الفكر الصيني -  يعني تحديد مكان له في الكون . وهذا ليس بممكن مع الـ ( طاو ) فهو يتغلغل في كل شيء  و يشمله . ولا يُخفي لاو تزي - وهو الأب الروحي لهذه الفلسفة - حيرته أمام هذا  المطلق الغريب ، فيصفه بأنه  : " غامض .. محير .. غير واضح .. مخفي .. مظلم "

ويقول في موضع آخر :" الـ  ( طاو ) لا سبيل إلى تعريفه قط ! وهو من الصغر في حالة الـ لا تشكل بحيث يتعذر الإمساك به" ولكنه لا يستسلم لهذه الحيرة ، فيعطي  الـ ( طاو  ) وصفاً عاماً لا يزيد المبدأ الغامض إلا غموضا..

فيقول:" كان هناك شيء غيرواضح..ولد قبل السماوات والأرض..صامت ، فارغ..وحيد ، لا يتغير..دائم الحركة ، لا يُنهك ..قد يكون أُمّا لما تحت السماء..أنا لا أعرف اسمه ، ولكني أسميه الـ ( طاو ) "

أما شوانغ تزي ، معلم الطاوية الثاني ، فقد قرر بأن الـ  ( طاو  ) في كل مكان ، فلا يخلو منه مكان .  وعندما طُلب منه التحديد أكثر ، قال :" إنه هنا في النمل .. في حشائش الأرض .. في الآجر والقرميد .. وفي البول والعذرة أيضا  ! "

وعليه ، فالـ ( طاو ) لا يمكن أن يكون مرادفا لله ، بل هو ليس إلها بحال . وهو لا يحمل بعداً روحانيا ولا صفاتا إلهية ، فالطاوي لا يتعامل مع الإلوهية .  ولم يكن المؤسس الأول ولا تلامذته المشهورين يقرون بخالق مُوجِدٍ للمخلوقات بعلم وإرادة  ، فالـ ( طاو  ) عندهم فاعل بلا إرادة ، بل إن شوانغ تزي يرفض إعطاءه صفة الفعل رغم اضطراره لاستخدام العبارة المشعرة بذلك .

يشبه الـ  ( طاو  ) - إلى حد كبير - العقل الأول عند فلاسفة اليونان وكذلك الـ  ( براهمان  ) عند الهندوس ، كما أن فلسفة الطاوية في ابتداء الكون تشبه نظرية التسلسل الفيضي . فالـ ( طاو  ) يولِّد واحدا ، ومن الواحد يتولد الاثنان ومن الاثنين الثلاثة ومنها كل الموجودات.

إن الـ  ( طاو)  في الفلسفة الطاوية  " داخل الوجود لا خارجه ، أي : لا مفارق ميتافيزيقي[5] مطلق في الطاوية   "، وقد أنكرت بصراحة أن يكون للعالم صانع من خارجه . فهي - باختصار - صورة جلية من صور وحدة الوجود ،  حيث الـ  ( طاو  )  حاضر في الكائنات لا يفصله عنها مسافة في الزمان أو المكان .

ويأتي  الـ ( طاو  ) في كتاب  الـ ( طاو طي جنغ  ) على ثلاثة معان إجمالية :

1- الـ ( طاو ) بمعنى :  طريق الحقيقة المطلقة ، وهو بهذا المعنى لا يمكن تعريفه أو رؤيته أو حتى تصوره بشكل واضح ، فهو غير محدود ، وبلا حدود أو شكل . هو مبدأ كل شيء . والـ  ( طاو  ) بهذا المعنى هو ما تحدثنا عنه سابقا ، وهو المعنى الأساسي له الذي يفهم منه عند الإطلاق 

2- الـ ( طاو  ) بمعنى :  طريق الكون ، فهو المعيار والإيقاع وهو القوة وراء الطبيعة كلها والذي يسري بداخلها. هو روح وليس مادة . وهو طاقة لا تنفد ، يزداد تدفقا كلما استُمد منه . إنه خيّر ويهب الحياة للكل ، إنه  " أم العالم  " .

3- الـ ( طاو ) هو طريق الحياة البشرية حال انسجامها بـ  ( طاو ) الكون.[6]

إن  المفاهيم التي اكتسبتها هذه اللفظة تجعلها قابلة لتفسيرات شتى ، لكن الأساس يبقى أن  الـ ( طاو  ) هو مطلق الطاويين و هو مبدأ كل شيء ومآله ، لكنه لا يخرج عن مقتضى الكون والطبيعة الكونية

ثانيا :  الـ طي ( De / Te -)

مفهوم الـ ( طي) أقرب إلى كونه " القوة التركيبية الفاعلة في الأشياء  " إن الـ (طي) في الفلسفة الطاوية هي النهج التطبيقي العملي الإنساني للـ ( طاو) ،فإن لاو تزي عندما دعا الإنسان إلى اتباع الـ (طاو) وصف الطريق الموصل إلى هذا الاتباع بـ  ( طي)  . وقد فسرها بعضهم بأنها : الإرادة القوية الواعية الكامنة في نفس الحكيم، كما تدله على العودة إلى أصالة الحياة الطبيعية الأولى التي يعيش فيها الإنسان في حالة توحد مع الطبيعة في كل موجوداتها وظواهرها المتحركة بفعل الـ ( طاو  ) وقوانينه.  فالـ ( طي)  المنبثقة من الـ ( طاو) تدعو الإنسان للعودة إلى البساطة الطبيعية الموصلة إلى الكمال ، وإلى تمام العلم بالـ ( طاو) الأبدي السرمدي ، ومن ثم الانصهار به في وحدة كونية . [7]

يقول لاو تزي : " ..هذا يُدعى( طي ) اللا جهد..يُدعى قدرة التعاطي مع الناس..ولقد كان هذا معروفا منذ القدم بأنه ..الاتحاد التام مع السماء "

و حتى يكون الإنسان في حالة تناغم مع الـ"طاو "، وجب عليه أن يمارس الـ"لافعل"، أو على الأقل اجتناب كل الأفعال الناتجة عن الغصب (الإجبار)، عن طريق التناغم التلقائي مع نزوات طبيعته الذاتية الأساسية، وترك كل المعارف العلمية المكتسبة، و بذلك يتحد الإنسان مع "الطاو" ويستخلص منه قوة غامضة (طي). بفضل هذه القوة يستطيع الإنسان تجاوز كل المستحيلات على ذوي البشر العاديين، على غرار الموت والحياة.

و قد اعتبرت المدرسة الطاوية المبكرة هذه القوى بأنها سحرية، فيما اعتبرها كل من " لاو تزي " (老子) و"تشوانغ تسو" (莊子) قوى ناتجة عن أهلية الشخص (اِسْتِحْقاق)، وعوامل الطبيعية والتلقائية.

فلسفة  الـ ( ين يانغ ) ( Yin-Yang):

لم تُشكِّل النشأة الكونية أية إشكال بالنسبة لفلاسفة الصين، فقبل هذا الوجود كان العدم ، ومع مرور الأزمنة تكتل العدم [8] في وحدة هي عبارة عن قوة مبدئية وجدت قبل وجود العالم المحسوس، وكل موجود في العالم المحسوس ليس إلا مظهرا من مظاهر تلك القوة الغامضة، ومع مرور أزمنة إضافية بدأت التحولات الأولية للقوة البدائية عن طريق انقسامها الأول، فانفصلت الوحدة إلى ثنائية نتج عنها قوتان تحمل كل منهما صفات مغايرة للأخرى. فأما القسم الأنقى والأخف فتصاعد نحو العلو فتكونت منه السماء ، وأما القسم الثاني وقد كان الأثقل والأكثر كثافة فهبط نحو السُفل لتتكون منه الأرض . لقد كان تولد السماء والأرض هو التجسد الأول للـ ( ين يانغ ).

ولما برزت مع الطاوية فكرة الـ ( طاو ) الأول اعتُبرت الـ  ( ين )  والـ  ( يانغ ) متولدة عنه خاصة في تعاليم شوانغ تزي، المؤسس الثاني للطاوية، وتبعه على هذا القول جميع المفكرين الصينيين التقليديين من بعده، حيث يعتبرون هذه القوة الغامضة هي مبدأ العالم والكون، وأن الكون قد جاء إلى الوجود كنتيجة للتفاعلات بين قوتي   الـ  ( ين ) والـ  ( يانغ ).

و لهذا مزج لاوتزي مبدأ الـ ( ين يانغ ) ذو الأصول القديمة في الثقافة الشرقية مع فلسفته للـ ( طاو )، خرج من خلاله بتفسير كلي للوجود. فاعتبر أن الـ ( طاو ) هو الواحد الأزلي الذي تولدت منه الثنائية المتمثلة بالـ ( ين يانغ )، ومن هذه الثنائية تولد كل ما في الوجود .

يقول لاوتزي:" الـ ( طاو ) تنسل الواحد..الواحد ينسل الاثنين.. الاثنان تنسل الثلاثة..الثلاثة تنسل العشرة آلاف شيء...و العشرة آلاف شيء تحمل  الـ ( ين ) وتحتضن  الـ ( يانغ ) وتحقق انسجامها بالدمج بين هاتين القوتين .

ولقد كانت بدايات مدرسة  الـ ( ين يانغ ) على يد  جماعة الـ (فانغ شي) السحرة المهتمين بالعرافة والتنجيم . ومع مرور الوقت ، بدأت تتلاشى الأفكار الخرافية والاعتقاد بخوارق العادات وظهر الاهتمام بالطبيعة و تفسير الظواهر الكونية من خلال فلسفة الـ ( ين يانغ )[9]

الاتحاد والتنوير  ( الإشراق )

يعد التوحد مع  الـ ( طاو  ) هو الهدف الرئيس في الفلسفة الطاوية ، حيث لا يمكن للإنسان أن يحقق السعادة والاستقرار النفسي إلا عن طريق هذه الوحدة . " وقوام الموقف الطاوي هو أن حيل البشر وأفاعيلهم تُفضي إلى الشر والتعاسة، ويتعين عليهم للعثور على السلام والرضا أن يتبعوا طريق الكون، أو ( طاو )  الكون، وأن يحققوا التوحد مع هذا  الـ ( طاو ) ".

يقول لاوتزي : " من يتبع  الـ ( طاو)، يكن واحدا مع  الـ ( طاو ) ... متى ما تكون واحدا مع  الـ ( طاو ) يرحب بك الطاو "

ومن أجل التوصل إلى هذا الهدف ، يمر السالك بعدة مراحل :

- " تبدأ بمرحلة يخلو فيها الفرد إلى نفسه ويقطع كل صلة بينه وبين عالم الأشياء المحسوسة .

- وتتلو تلك مرحلة ثانية تقوم على الامتناع عن كل ما من شأنه تدنيس الروح والحيلولة بينها وبين الوصول إلى الحقائق المجردة. وفي هذه المرحلة يتجرد الإنسان من الماديات حتى يصير روحا خالصة .

- وبعد ذلك تأتي مرحلة الرؤيا أو الإشراق[10]، حيث يدرك الفرد - بزعمهم - الحقائق المجردة إدراكا مباشرا لا وساطة فيه .

- وأخيرا، تأتي المرحلة النهائية؛ وهي الاتصال التام أو الوحدة التامة بين الفرد والقانون الأعظم [11]، وهي المرحلة التي يحصل فيها اندماج تام بين المتصوف الطاوي والذات العليا، بحيث تفنى الشخصيتان بعضهما في بعض، وتصيران شخصية واحدة  "[12].

و الجدير بالذكر أن  الطاوية كديانة قد تأثرت ببعض معتقدات وممارسات الشامان[13] و خاصة في مجال العلاج حيث كانت اهتماماتهم تتركز على التنجيم والسحر والطب والعرافة ، بالإضافة إلى البحث في سبل إطالة العمر . وكانت الأيديولوجية العامة لهم مقاربة لمدرسة الـ ( ين يانغ ) والعناصر الخمسة ، أما " الحكمة  " أو التعاليم السرية فقد كانت نتنقل من المعلم إلى التلميذ إما مشافهة أو عن طريق النصوص السرية. [14]

 

بعد هذا السرد الموجز للفلسفة الطاوية، نستطيع أن نسقط هذه الفلسفة علي الثلاث أسئلة المحورية في هذا المبحث و هي

"المبدأ، الغاية و المصير" من وجهة نظر الفلسفة الطاوية:

أولاً المبدأ:

إن نقطة البداية التي بدأ منها الكون في الفلسفة الطاوية ترجع إلي الطاو؛ ذلك الأول الأبدي الذي كان أصل كل شئ كما قال لاوتزي" كان مبدأ السماوات والأرض .. كان أُمّاً لآلاف المخلوقات "؛ إلا أن الطاو هذا لم يخلق بقية الموجودات بل هو شئ انفصل و تجزأ و دخل في كل الموجودات فالـ ( طاو ) يتغلغل في كل شيء و يشمله؛ فالـ  ( طاو  ) في كل مكان ، فلا يخلو منه مكان ؛ أما عن وقت وجوده فيزعمون أنه قد ولد قبل السماوات والأرض.

أما عن صفاته فهو" صامت، فارغ، وحيد، لا يتغير،دائم الحركة، لا يُنهك،قد يكون أُمّا لما تحت السماء..أنا لا أعرف اسمه ، ولكني أسميه الـ ( طاو )" هكذا قال لاوتزي.

إذن فالـ (طاو) هو المطلق الكائن، وهو مراد الكون، إنه ليس منفصلاً عن الكون بل هو داخل فيه دخولاً جوهريًّا، انبثقت عنه جميع الموجودات.

ثانياً الغاية :

يعتبر المبتغي في الفلسفة الطاوية هو الإندماج مع الطاو، بينما يعد الإندماج الكلي مع الطاو هو الغاية المنشوده؛ و ذلك لأنه لا يمكن للإنسان مهما سعي في هذه الحياة أن يحقق السعادة المنشودة إلا بالإتحاد مع طريق الكون و ذلك بالإتحاد التام مع الطاو الكوني.

ثالثاً المصير:

لا يوجد تصور واضح لفكرة المصير في الفلسفة الطاوية حيث أهتمت الفلسفة بالتركيز علي الإندماج مع الـ(الطاو ) فإذا ارتقى الإنسان إلى المعرفة الحقة، عندها يستطيع أن يصل إلى الحالة الأثيرية حيث لا موت ولا حياة؛ والذي يظهر أن لهم أكثر من نظرة لمصير الأرواح رغم أن هذا الموضوع لم يحظ باهتمام كبير في كتاباتهم حيث كان تركيزهم على الحياة وكيفية عيشها بالطريقة المثلى؛ إلا إن مما ذكر في هذا الموضوع أن الإنسان إذا توصل إلى مرحلة عليا من الترقي في الوعي فإنه يتحول إلى كائن روحاني تختلف طبيعته عن البشر ، وهذا يوضحه رأي بعضهم في لاوتزي . وهناك قول متأخر بتناسخ الأرواح . لذلك - ليس لديهم بعث ولا حساب، إنما يكافأ المحسن بالصحة وبطول العمر بينما يجازى المسيىء بالمرض وبالموت المبكر.

 

الديانة الطاوية

و يجدر بنا هنا التفريق بين الفلسفة الطاوية و الديانة الطاوية؛ فما سبق بيانه هو الفلسفة الطاوية بينما الديانة الطاوية تختلف في بعض الأمور عن الفلسفة الطاوية و إن كانت تأثرت بها إجمالاً؛ فقد بدأت الطاوية كفلسفة بحتة ولم تتخذ الطابع الديني إلا في القرن الثاني للميلاد تقريباً، عندما حُوِّلت بعض الأفكار والفلسفات القديمة إلى ما يشبه المعتقدات الدينية .

ويُذكر أنه لما يأس بعض تلاميذ لاو تزي من إدراك العقل البشري لكنه الـ (طاو) لم يجدوا بداً من أن يعلنوا أن ما لم يدرك بالعقل يدرك بواسطة السحر، ومن هنا نشأ مذهب الطاوية الديني، وهو مزيج من قواعد سحرية وتعاليم تصوفية.

وكان أول من ساهم في تحويل الطاوية من فلسفة إلي ديانة هو كان شانغ داو لنغ (Zhang Dao Ling) حيث اعتبر  المؤسس التاريخي للطاوية الدينية، ولد ما بينى(147 - 167 م)، حيث جذب كثير من الأتباع عن طريق كتاباته الطاوية وعن طريق المعالجة بالسحر.

كان شانغ يسمى ( المعلم المقدس )، والديانة التي نظمها كانت تسمى (طريق المعلمين المقدسين)، استمرت الحركة تحت قيادة ابن شانغ لنغ ومن ثم حفيده.

ويعد شانغ المؤسس الحقيقي للديانة الطاوية. ففي عام 142 م ادعى شانغ داو لنغ  أن لاو تزي ظهر له وأطلق عليه اسم المعلم المقدس وأمره بتأسيس فرقة : المعلمين القدسيين ( Tianshi Dao - 天師道 ) ، وهي أول حركة دينية طاوية.

و قد قام هذا الرجل بممارسة الطب الروحي، كما لجأ إلى السحر والشعوذة لجذب الأتباع، بل إن ثمة من ترجم ( Daojiao ) إلى الطاوية السحرية. وأصبح ذلك طابعا عاما للديانة الطاوية من بعده .

و قد ظهر بعد شانغ لنغ بعض المفكرين الذين أدخلوا عناصر جديدة على الفلسفة الأصلية ، كمبدأ (الثواب والعقاب) وأثر الأعمال في تقصير أو إطالة العمر. كما قالوا بإمكانية إطالة العمر وتحقيق الخلود عن طريق السحر و التوصل إلى إكسير الحياة، واستدلوا بتقرير لاو تزي لإمكانية ذلك، شريطة الانتصار على الذات وتحقيق الوحدة الكاملة مع الـ ( طاو ).



[ * ] - جُل هذا المبحث مأخوذ من رسالة الماجيستير للدكتورة هيفاء الرشيد بعنوان "التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية - دراسة عقدية " و هى مطبوعة .

[1] - الديانة الصينية الشعبية : هي الديانة الصينية الشاملة للممارسات الدينية المنتشرة في كثير من أنحاء الصين منذ آلاف السنين . ومن السمات البارزة لهذه الديانة ما يلي : 1- تعدد الآلهة وعبادة الأرواح  2- تقديس و عبادة الأسلاف  3 - العناية بالسحر والكهانة  4- تعظيم بعض الأخلاقيات إلى حد أنه نصبت لها آلهة تعبد (كالإخلاص ، العدل ، الشجاعة .. الخ )

[2] - كما هو الحال عند أصحاب العقائد الباطنية .

[3] - وهم الذين يسعون إلى تحقيق الخلود البشري من خلال العقاقير أو الرياضات البدنية والروحية

[4] - The Tao Te Ching : A New Translation with Commentary : 51 - Ellen M. Chen Tao Te Ching : 3 - translated by : David Hinton

[5] - ميتافيزيقي : من الميتافيزيقيا ، ويراد بها ما وراء الطبيعة  ( انظر : المعجم الفلسفي : 179 - مجمع اللغة العربية  )

[6] - قلت أبو الحارث : هذا ما يقوله أهل الطاقه عن طاقتهم الكونية المزعزمة فتأمل كيف نقلوا لنا تطبيقات نابعة من معتقدات و تصورات الطاويين؛ دع عنك كلمة الطاقة و ضع مكانها الطاو ستحل محلها.

[7] - قلت: و هذا قريب جداً من المقدمة التي قدمها أحمد منصور في لقائه مع الأستاذة مها نمور علي قناة الجزيرة و السابق الإشارة إليها في مقدمة هذا الباب.

[8] - إن " العدم " هو من الأسماء التي أطلقها فلاسفة الشرق على المبدأ الأول ، وهو ما لا يمكن تصوره إذ لا بد للعدم الحقيقي من صانع خارج عنه يحيله إلى وجود وهو ما لا يعترفون به . والذي يظهر أنهم إنما عبروا بالعدم لوصف ما يرون عدم إمكانية وصفه ، فهو المادة الأولية للكون ، بدليل أنه تكتل فأصبح  " القوة "  و  " الوجود المحسوس "  وغيرها من التعبيرات التي تدل على أنه الصورة المبدئية للوجود .

[9] - انظر : Dictionary of Asian Philosophies : ( 71 - 72 ) - St. Elmo Nauman Jr.

[10] - وهو ما يعبر عنه أحيانا  بـ  ( التنوير  )  أو  ( التنور  )

[11] - الـ  ( طاو  )

[12] - ذيل الملل والنحل :  ( 27 - 28  ) - محمد الكيلاني ( بتصرف يسير  )

[13] - يأتي تعريفهم في الفصل القادم

[14] - Taoism : the growth of a religion : ( 37 - 39 ) - Isabelle Robinete

An Encyclopedia of Religion : 150  - edited by : Vergilius Ferm

مختارات من المكتبة المرئية

النشرة البريدية

انضم الينا وسيصلك كل ما هو جديد موقع سبيلى

تواصل معنا

تابعنا على الشبكات الاجتماعية على الحسابات الاتية.